ابن الجوزي
455
كتاب ذم الهوى
فجاءت القابلة ، فأخبرتنا فقال : اللّه اللّه أن تجيئني امرأة أو يلطم أحد ، أو يجيء أحد من الجيران فيعزّيني أو يصير لي جمع . ففعلت ذلك ووجدته من البكاء والشهيق على أمر عظيم ، فأحضرت له الجنازة بين العشاءين ، وقد كنت أنفذت من حفر قبرا في مقبرة قريبا منا ، فانصرف الحفارون لمّا أمسوا ، وقد كان وفقني على صرفهم ، وقال : لا أريد أن يراني أحد ، وأنا وأنت نحمل الجنازة إن تفضّلت بذاك ، ورغبت في الثواب ، ونلي دفنها ، فاستحييت وقلت له أفعل . فلما قربت العتمة خرجت إليه فقلت له : تخرج الجنازة ؟ فقال : تتفضل أولا تنقل هذه الصبية إلى دارك على شرط ، قلت : وما هو ؟ قال : إن نفسي لا تطيق الجلوس في هذه الدار بعد صاحبتي ولا المقام في البلد ، ومعي مال عظيم وقماش ، فتفضل بأخذه ، وتأخذ الصبية ، وتنفق عليها من ذلك من أثمان الأمتعة إلى أن تكبر الصبية ، فإن ماتت وقد بقي منه شيء فهو لك بارك اللّه لك ، وإن عاشت فهو يكفيها إلى أن تبلغ مبلغ النساء ، فحينئذ تدبر أمرها بما ترى ، وأنا أمضي بعد الدفن فأخرج عن البلدة . فوعظته وثبّتّه فلم يكن إلى ذلك سبيل ، فنقلت الصبية إلى بيتي ، وحمل الجنازة وأنا معه أساعده ، فلما صرنا على شفير القبر قال لي : تتفضل وتبتعد ، فإني أريد أن أودعها فأكشف وجهها فأراه ثم أدفنها . ففعلت ، فحلّ وجهها وأكبّ عليها يقبلها ، ثم شدّ كفنها وأنزلها القبر ، ثم سمعت صيحة من القبر ، ففزعت فجئت فاطلعت ، فإذا هو قد أخرج سيفا كان معلقا تحت ثيابه مجردا ، وأنا لا أعلم ، فاتّكأ عليه فدخل في فؤاده وخرج من ظهره ، وصاح تلك الصيحة ، ومات ، كأنه ميت من ألف سنة . فعجبت من ذلك عجبا شديدا وخفت أن يدرك فيصير قصة ، فأضجعته فوقها في اللحد ، وغيّبت عليهما الّلبن ، وهلت التراب وأحكمت أمر القبر ، وصببت عليه جرار ماء كانت لنا في المكان ، وعدت فنقلت كل ما كان في الدار إلى داري وعزلته في بيت ،